الشيخ السبحاني

61

مفاهيم القرآن

وصراحة الآية غير قابلة للإنكار حيث تعدّهم أحياء أوّلًا ، وتحكم عليهم بالرزق وتثبت لهم آثاراً نفسية كالفرح والاستبشار وعدم الخوف والحزن . ونظيره قوله سبحانه : « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَل‌ْأَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ » . « 1 » وربما يتراءى من بعض الذين أخلدوا إلى المادة ، تفسير حياة الشهداء بخلود ذكراهم في المجتمع والأندية والمحافل ، ولكنّه تفسير بعيد عن الصواب ، إذ لو كان المراد هو هذا فما معنى قوله سبحانه : « يرزقون » ، « فرحين » ، « يستبشرون » ، بل وما معنى قوله : « ولكن لا تشعرون » فانّ الحياة بالمعنى الذي ذُكر أمر يشعر بها كلّ الناس ؟ ! 3 . « وحاقَ بِآل فِرْعَونَ سُوءُ العَذاب * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَومَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ العَذَاب » . « 2 » نرى أنّه سبحانه يحكم على آل فرعون بأنّهم يعرضون على النار كلّ يوم وليلة قبل يوم القيامة ولكنّهم يدخلون في النار حين تقوم الساعة ، فلو كان الموت بطلاناً للشخصية فما معنى عرضهم على النار صباحاً ومساءً ؟ 4 . « مِمّا خَطيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً » . « 3 » فالآية تحكي عن أنّ قوم نوح عليه السلام بعدما غرقوا أُدخلوا النار بلا تراخ ، فلو كان المراد من دخول النار هو نار القيامة لا يصح التعبير عنه بالفاء ، في قوله : « فَأُدْخِلُوا ناراً » الحاكية عن الاتصال ، وعلى ذلك فالمراد من النار هي النار

--> ( 1 ) . البقرة : 154 . ( 2 ) . غافر : 45 - 46 . ( 3 ) . نوح : 25 .